أحمد سالم
تزكية النفس وإصلاح أحوالها الإيمانية أوسع من «يجوز» و«لا يجوز».
وكثيرٌ من الطاعات مما يقول الفقهاء فيه: «يجوز تركه»= لا تزكو النفس بهجرانه، وما قالوا هم بجواز تركه ليُتوسل بذلك لهجره.
لهذا، فترك نوافل العبادات ليس معصية إن نظرت له نظرا رياضيا تجريديا، لكن من حيث الواقع: فإن استدامة هذا الترك يؤدي لتوفر البيئة الصالحة لدبيب كافة أنواع المعاصي إليك.
فهذه الأبواب هي سور الفرائض، وحمى المحارم، من أضاعها= أضاع ما وراءها.
قال الإمام الشاطبي: ((إذا كان الفعل مندوبا بالجزء كان واجبا بالكل؛ كالأذان في المساجد الجوامع أو غيرها، وصلاة الجماعة، وصلاة العيدين، وصدقة التطوع، والنكاح، والوتر، والفجر، والعمرة، وسائر النوافل الرواتب؛ فإنها مندوب إليها بالجزء، ولو فرض تركها جملة= لجُرح التارك لها)).
مقتطفات أخرى
فيما يقع للناس من بلاء، أو ما يقع عليهم من ظلم الناس لهم= قد يرضى الناس بقدر الله، والرضا مستحب، وضابط الرضا: ألا تطلب زوال ما بك ولا تحب زواله، وإن كنت تتألم منه.
وقد لا يقدر الناس على الرضا فيكفيهم الصبر وهو واجب، وضابط الصبر ألا تسخط أقدار الله، بقلبك أو لسانك أو جوارحك، بل ترى أن الله عدل معك ولم يظلمك، وتطلب فضله وأجره، ولا يعيبك أن تألم لما وقع بك ولا أن تطلب وتحب زواله.
ويباح لك أن تنتصر من ظالمك بالعدل.
ثم قد يقع من الناس حينها كف للسان واعتصام بالله من غير إظهار للألم أو دعاء بزوال البلاء، مع كونهم يحبونه، وقد يقع منهم التشكي من هذا الذي وقع بهم.
وضابط الشكوى: كل ما فيه إظهار الألم لما وقع بك أو محبة لزواله.
وضابط الشكوى المستحبة: أن تكون لله وهي مرتبة عبودية تنفع الصابرين وتعينهم.
وضابط الشكوى المباحة: أن تكون لمن ترجو منه من الناس مصلحة راجحة أو نفعًا فيه علاج لما وقع بك أو إعانة على الصبر مأمونة المفسدة الراجحة.
وضابط الشكوى المذمومة: أن تكون للناس ليس منها فائدة من رجاء نفع يعالج ما وقع بك أو يعينك على الصبر عليه.
وليس من الشكوى: الذكر العارض الذي ليس فيه تألم، ولا يمنع هذا إلا إن كان معه كشف لستر أو إعانة على الوقيعة المحرمة في عرض من تشتكي منه.
قال شيخ الإسلام: والله تعالى ذكر في القرآن الهجر الجميل والصفح الجميل والصبر الجميل.
وقد قيل: إن الهجر الجميل، وهو هجر بلا أذى، والصفح الجميل صفح بلا معاتبه، والصبر الجميل صبر بغير شكوى إلى المخلوق، ولهذا قرئ على أحمد بن حنبل في مرضه أن طاوسا كان يكره انين المريض ويقول: إنه شكوى، فما أنَّ أحمد حتى مات.
المرأة المخزومية التي سرقت فقُطعت يدها، في مسند الإمام أحمد أنّها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل لي من توبة يا رسول الله؟ فقال لها رسول الله: ((أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك)).
وكان رسول الله يرحمها ويصلها.
وقالت عائشة: فحسنت توبتها بعد وتزوجت رجلا من بني سليم، وكانت حسنة التلبس والمخالطة والمعاشرة، وكانت تأتيني فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشريعة ليست قوانين جافة تعاقب صاحب الجرم ثم تصبغه بصبغة الإجرام طيلة حياته، الشريعة ليست قانونًا، ليست نظامًا جنائيًا على هيئة النظم الجنائية الوضعية، الشريعة بناء متكامل، بناء إيماني وأخلاقي وإنساني، ونصف ضلال الناس عن الشرع بما في ذلك ضلال الداعين لتطبيق الشرع= يكمن في أنهم يفكرون فيه على أساس أنه قانون من القوانين لا يفترق عن القوانين سوى في أنه إلهي، وذلك فساد عظيم.