أحمد سالم
فإنه سبحانه يسأله من في السماوات والأرض يسأله أولياؤه وأعداؤه ويمد هؤلاء وهؤلاء، وأبغض خلقه عدوه إبليس ومع هذا فقد سأله حاجة فأعطاه إياها، ومتعه بها، ولكن لما لم تكن عونا له على مرضاته، كانت زيادة له في شقوته، وبعده عن الله وطرده عنه، وهكذا كل من استعان به على أمر وسأله إياه، ولم يكن عونا على طاعته كان مبعدا له عن مرضاته، قاطعا له عنه ولا بد.
وليتأمل العاقل هذا في نفسه وفي غيره، وليعلم أن إجابة الله لسائليه ليست لكرامة السائل عليه، بل يسأله عبده الحاجة فيقضيها له، وفيها هلاكه وشقوته، ويكون قضاؤه له من هوانه عليه، وسقوطه من عينه، ويكون منعه منها لكرامته عليه ومحبته له، فيمنعه حماية وصيانة وحفظا لا بخلا، وهذا إنما يفعله بعبده الذي يريد كرامته ومحبته، ويعامله بلطفه، فيظن بجهله أن الله لا يحبه ولا يكرمه، ويراه يقضي حوائج غيره، فيسوء ظنه.
فإنه سبحانه يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقتر على المؤمن لا لإهانته، إنما يكرم من يكرمه بمعرفته ومحبته وطاعته، ويهين من يهينه بالإعراض عنه ومعصيته، فله الحمد على هذا وعلى هذا، وهو الغني الحميد.
ابن القيم
مقتطفات أخرى
الذكورة مسألة فسيولوجية بالدرجة الأولى، أما الرجولة فهي مفهوم ثقافي اجتماعي يتم بناؤه فوق الأساس الذكوري الفسيولوجي، والذين يقومون بالبناء هم الأسرة القريبة متمثلة في الوالدين وصولًا إلى الثقافة الكونية والقومية والوطنية، مرورًا بالعائلة والمدرسة والجيران والأصدقاء والأقران والرموز المجتمعية مثل لاعبي الكرة والممثلين وحتى الشيوخ والقساوسة..
وهذا الخليط الثقافي المعقد يخط كلماته بحروف متشابكة غير متناسقة فوق هذه البنية الذكورية، ويختلف تأثيره باختلاف الاستعدادات الوراثية وأهمية دور الشخص المؤثر وطبيعة الظروف المحيطة بعملية التأثير..
ومحتوى هذا الخليط لا يختلف بسبب اختلاف الأشخاص المقدمين له فقط وإنما يختلف بسبب اختلاف مرجعياتهم وتأويلاتهم لتلك المرجعيات..
المجتمع الغربي مثلا يتعامل مع ثلاثة أطر رئيسية للرجولة:
الأول: الرجولة في نطاق التهذيب المدني، والذي تأثر بأحداث الحرب العالمية مرورًا بالهجمة النسوية والانشغال الأبوي الطاحن ليكون نوعًا من التهذيب الأنثوي للرجل (وهذه النسخة منتشرة في العالم العربي فكثير من أشكال تهذيب الذكر تجعل منه إلى حد كبير مجرد فتاة مطيعة).
الثاني: ما يقدمه الجيش والنسخ المتفرعة منه وهي نسخة قاسية مسطحة وكان لها أثر كبير على الثقافة القيادية للشركات، وعلى عكس ما يظن الكثيرون فهذه النسخة لم تنتقل للجيوش العربية.
الثالث: ما يقدمه الشارع من تصورات عن الرجولة وهي قريبة إلى حد كبير من ثقافة الغابة.
في المقابل توجد محاولات غربية لاستعادة وبناء وتفعيل نمط صحي للرجولة خاصة من جهة بعض التيارات الكنسية..
في المجتمعات العربية، ونتاج تاريخ طويل لعلنا نرجع به للعسكرة المأجورة خاصة بداية من المماليك وتحول الشعب إلى فلاحين خاضعين لحكم عسكري، ثم احتكار العنف وسياسة التدجين المجتمعي للدولة الوطنية الحديثة= فلا يوجد أي برامج عملية أو طقوس انتقالية لغرس الرجولة وتنميتها، ولا يوجد أي أثر تقريبًا للدين أو الثقافة العربية القديمة كمصدر لمفاهيم الرجولة، بالعكس يتم الكذب على الدين لدعم تصورات شعبية قبيحة وسطحية وادعاء أنها رجولة، وهذه التصورات الشعبية المهترئة لا تملك حتى تماسكًا يسمح بتصنيفها كما صنعنا ما الأنماط الغربية، بل هي مجرد شذرات صحيحة بصفة عامة أحيانا مثل (الرجل ما يمدش إيده على ست) وفاسدة أحيانا مثل (الرجل ما بيعيطش) وحمقاء أحيانا مثل (الرجل ما بيطولش شعره).
بالتالي فلا يوجد أنماط متماسكة حتى لو خاطئة، وبالتالي فالذي لدينا هو نمط مشوه من شذرات متفرقة، ولا يوجد أي نموذج مفاهيمي فضلا عن أن توجد برامج إجرائية واقعية لغرس الرجولة وتنميتها..
والنتيجة هي أننا نشترك مع العالم في وجود النمطين المشوهين الأساسيين للرجولة، ثم نتفرد كالعادة بعدم وجود معالم للنموذج الصحي للرجولة..
والنمطان المشوهان هما:
(1) السمات النسوية التي قد لا تصل لحد التخنث الشكلي، لكنك لا ترى معالم للسمات الرجولية المركزية بل ترى نسخة خشنة قليلا من الفتاة المهذبة، الاعتمادية نسبيًا الحريصة نسبيًا المتحفظة نسبيا الهشة نسبيًا (وهي كمالات في النساء ونقص في الرجال).
(2) البلطجة والتسلط على الضعفاء واحتقار النساء والبطش والاعتداء واعتياد الفحش، وأصل بتستفز رجولتي، والأشكال القذرة المدعومة بالمجانص ومرايات الجيم في محاولة بائسة لاستعراض رجولة فارغة لشخص مهزوم.
وأنت إذا تصفحت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع النساء عمومًا وآل بيته خصوصًا فلن تجد على لسانه ولا في أفعاله أي شيء يشبه حماقة هؤلاء البلطجية؛ لأنه كان رجلًا حقًا عليه الصلاة والسلام، بل سيد الرجال وأكملهم.
وأول الطريق لبناء تصور سليم وتفعيل ممارسات صحية للرجولة= يبدأ من استعادة سيرة رسول الله وجعلها معيارًا تبنى حوله لبنات مستفادة من سيرة أصحابه ومن أخبار العرب في الجاهلية وصدر الإسلام، ثم استخراج معالم برامج عملية متفرعة من تلك السيرة القديمة لأولئك الرجال النبلاء..
لو لم نسلك هذا الطريق فسنظل أسرى للتهذيب المنزلي الأنثوي الطابع والذي يولد على جانبيه نموذج التخنث الطري، ونموذج البلطجة في شكلها المدني من مجرمين الشوارع إلى شرطة اعتقال النساء وتهريب المغتصبين، وفي شكلها الديني متمثلة في الشيخ مجانص وتلاميذه الذين يرون في التحرش شكلًا من أشكال تحقق الرجولة..
لأسباب شتى يشيع في الناس نوع غريب من احتقار العناية بالحيوان.
لأغراض نفعية مصلحية لا إشكال عند الناس في العناية بحيوان يُدر لبنًا أو يُنتظر منه لحم، أما أن تُربي قطًا فهذا غير مفهوم عند كثير منهم.
ولأن أهواء الناس تحب أن تتوارى خلف الدين، فإن أعينهم تترقرق بالدمع الكاذب يقولون: بطون الفقراء أولى.
الناس أعداء ما يجهلون، ومن لم يعايش الزاد العاطفي الذي يستمده الإنسان من صحبة هذه العجماوات= أنكره وعاداه.
ومن لم يعايش الزاد الإيماني الذي يجنيه من استحضر أخبار النبي وأصحابه في رعاية الحيوان والرفق به= ظن أن شعبة إيمانية أخرى تُغني عنه، وشعب الإيمان تتكامل فما تجنيه من واحدة لا تجنيه من أخرى، وغالب من يعنون بالحيوان هم من أكثر الناس عطاء وصدقة، بالضبط كغالب من يدمنون الحج والعمرة هم أكثر صدقات من أولئك الذين يدبجون الخطب عن أن بطون الفقراء أولى.
أعلم أن بعض المعتنين بالحيوانات لا ينطلقون من نفس المنطلق الإيماني، بل وبعضهم لا ينطلقون من المنطلق العاطفي وإنما يحركهم التقليد ويتعاملون مع رعاية الحيوان تعامل الموضة والاكسسوار وقد رأيت كثيرًا منهم يلقون بحيواناتهم في الشوارع أيام كورونا لما شاع خطأ أنها تصيب بالمرض.
لكن وككثير من الممارسات الإنسانية، وظيفة المؤمن أن يضبطها بالمنطلق الإيماني وليس أن يعاديها لمجرد كراهية طبعه، فضلًا أن يغطي كراهية طبعه بتعلق كاذب بالدين.
أملك أربعة قطط، وأحبها حبًا جما وأسأل الله أن يحفظها علي، وأطعمها وأرعاها وأحمل معي طعامًا أطعم به قطط الشوارع؛ ففي كل كبد رطبة أجر.
وفي البخاري من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قرصت نملة نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح الله)).
أمم تُسبح الله هذا هو الإطار الكلي الذي ينظر إليه من فقه هذا الباب، ثم يأتي بعده الأطر الجزئية التي أشرت إليها.
شعب الإيمان تتناوب، وتتكامل، والنظر فيها لا يكون إلى أي شعبة أولى في المطلق، بل النظر فيها إلى تكاملها في نفسك، وإصابتك من كل شعبة بحظ ونصيب، ثم إلى ما تجد أثره ويحركك هنا والآن، فلا تسمع لمن يزهدك في هذا، فبعض ذلك من قسوة القلب وبعضه من نفرة طبع لا اعتبار به.