أحمد سالم
في فترة العبودية في أمريكا: زنجي البيت وزنجي الحقل، زنجي الحقل يعتني بسيده، فإذا خرج زنوج الحقل عن الطابور= كان زنجي البيت يمسكهم، ويسيطر عليهم ويعيدهم إلى المزرعة، وكان يستطيع ذلك لأنّه كان يعيش أحسن حالاً من زنوج الحقل،؛كان يأكل أحسن منهم، ويلبس أحسن منهم ويسكن في بيت أحسن ،كان يسكن فَوق بجوار السيد في الدور العلوي، أو السفلي. كان يأكل نفس الطعام الذي يأكله السيد، ويلبس نفس اللباس، وكان قادراً على التكلم مثل سيده بأسلوب وبيان جيد. وكان حبه لسيده أكثر من حب السيد لنفسه؛ ولذا لا يحب لسيده الضّرر، وإذا مرض السيد قال له: ما المشكلة سيدي؟ (أمريض نحن)؟!
وإذا اشتعل حريق في بيت السيد، حاول أن يطفئه؛ لأنه لا يريد أن يحترق بيت سيده، لا يريد أبداً أن تتعرض ممتلكات سيده للتهديد، وكان يدافع عنها أكثر من مالكها. هكذا كان زنجي البيت.
ولكن زنوج الحقل الذين كانوا يعيشون في الأكواخ، لم يكن لديهم ما يخشون فقدانه، فكانوا يلبسون أردأ اللباس ويأكلون أسوأ الطعام ويذوقون الويلات ويُضربون بالسوط، وكانوا يكرهون سيدهم بشدّة، فإذا مرض السيد يدعون الله أن يموت، وإذا اشتعل حريق في بيت السيد، كانوا يدعون الله أن يرسل ريحاً قويّة!
مقتطفات أخرى
انصرف أبو عُبَيْد القاسم بن سلام يومًا، فمرّ بدار إسحاق المَوْصِليّ، فقالوا له: يا أبا عبيد، صاحب هذه الدّار يقول: إنّ في كتابك " غريب المصنّف " ألف حرف خطأ.
فقال: كتابٌ فيه أكثر من مائة ألف يقع فيه ألف خطأ= ليس بكثير.
ولعلّ إسحاق عنده رواية، وعندنا رواية، فلم يعلم، والروايتان صواب، ولعلّه أخطأ في حروف، وأخطأنا في حروف، فيبقى الخطأ شيئا يسيرا.
هذا النص عظيم جدًا، والتأمل فيه يُنجي من كثير من تهويلات الذين جعلوا حق النقد والتخطئة مدخلًا لإسقاط من ثبت لدى عامة الشهداء بالحق علمهم وعدالتهم وسابق فضلهم.
عضد الدين الإيجي.
الجرجاني.
التفتازاني.
زكريا الأنصاري.
هذه الأسماء الأربعة بينهم نوع من التقارب في الزمان، وهم أشهر أسماء علماء السنة فيما يتعلق بالعقليات، وهم الذين دارت على أسمائهم شروح وحواشي الكتب المدرسية في معظم العلوم، مع تميز للأخير من جهة ثقل اسمه في الفقه الشافعي خاصة.
يمكنك بدرجة ما أن تعتبرهم مثلًا أعلى يحلم به كل مشتغل بالتأسيس المعرفي التراثي في العلوم الإسلامية، أعني بالتحديد من الطبقة التي تعظم المتون والحفظ وتنعى على الاشتغال المعرفي التراثي المعاصر ضعف أصالته وضعف تأسيسه العقلي.
الآن أريد من العارفين بقدر هؤلاء الأربعة أن يتأملوا معي حقيقة أرجو أنه لا يسع أحد إنكارها، وهي:
أنه ليس لهؤلاء الأربعة تجديد وإبداع في العلوم الإسلامية يوازي أو يقارب ولو بصورة جزئية ما قدمه: الغزالي والرازي وابن قدامة والعز بن عبد السلام والقرافي وابن دقيق العيد وابن تيمية والذهبي والشاطبي وابن رجب والسبكي والإسنوي وابن حجر العسقلاني.
ما من واحد من هذه الأسماء التي انتخبتها عجلًا بلا طول تأمل= إلا وقدم للتراث الإسلامي وللعلوم الدينية إبداعًا أصيلًا في جهة أو أكثر، لا زالت رحى الدرس والبحث تدور حول هذا الإبداع الثري حتى الآن.
أما الأربعة الأول فباستثناء الجهود الشافعية لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري= فليس لواحد منهم أي إبداع أصيل ثري حفظه لنا التاريخ ودارت عليه رحى البحث والتفريع والنقد، وسائر ما يحفظ لهم هو المحاكمات العقلية الصورية للعبارات، وإعادة إنتاج ملخصات العلوم واستشراحها في صور متشابهة، مع إعواز شديد في إثراء البحث العلمي في نفس مسائل العلوم يصل عقد الإبداع والنظر الذي ابتدأه السلف وتبعهم الأئمة ووصله عِقد العلماء النقاد المجددين الذين سميتهم.
الذي أريد أن أخلص إليه هنا:
أن استنقاذ الدرس التراثي من بين أيدي ضعاف المشتغلين به من المؤسسات الرسمية والاتجاهات الإسلامية هو استنقاذ واجب إلا أن قدوته لا ينبغي أن تكون علماء التشقيق المنطقي الصوري هؤلاء؛ فإن لهذا التشقيق دورًا محدودًا في شحذ الأذهان يجب أن يتم تجاوزه سريعًا إلى نمط اشتغال العلماء المبدعين المجددين الذين يعيدون النظر والبحث ولا يتحرجون من وصل عقد الأئمة بالإنتاج الثري الذي يديم هذه العلوم حية متجددة.
ولا يقال هؤلاء مدخل لأولئك؛ فهذا لا يصلح مخلصًا مما أنكره هنا لسببين:
الأول: أنه ليس كل ما كتب هؤلاء يُحتاج إليه كمدخل لأولئك، وبالتالي فما يُحتاج إليه هو دون ما يريد أن يشتغل به الناس.
الثاني: أن الظاهرة التي أخشاها وأحذر منها هنا هي الوقوف عند هؤلاء، وهذا هو ما حدث بالفعل في القرون التي تلتهم، فقد عكف من بعدهم على حفظ كلامهم وإعادة إنتاجه، ولم يتخذوه مدخلًا ليرتقوا لغيره.